الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

الأخلاق في القرآن

منك هذا العمل لِلمرّة الثّالثة ، فسوف تَنقطع العلاقة بيني وبينك ، وننفصل في هذا السّفر ، فعلم موسى عليه السلام ، أنّ في قَتل الغلام سِرّاً مُهمّاً ، فآثر السّكوت ، ليتّضح له السرّ فيما بعد . وتَلَتها الحادثة الثّالثة ، وقد وردوا في قَريةٍ ، فلم يُضيفوهما ولم يعبؤوا بِهما ، فَوجد الخِضر عليه السلام جداراً يُريد أن يَنقضّ ، فَأقامَه عليه السلام ، وطلب العَون من موسى عليه السلام في هذا الأمر ، فَرمَّم الجِدار ، فضاق موسى ذَرعاً بالأمر ، فَصاح : « لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً » . فأين يكون موضع التّعامل مع هؤلاء من موقع الرّحمة ، مع كلّ تلك القساوة التي واجهوها من أهل تلك القرية ؟ . وهنا أعلن الخِضر عليه السلام انفصاله عن موسى عليه السلام ، لأنّه نقض العَهد ثلاثَ مرّاتٍ ، ولكنّه وقبل الفِراق ، أعلمه بالأسرار لتلك الحوادث الثّلاثة ، فقال له : إنّ السّفينة كانت لِمساكين ، وكان عندهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ سَليمةٍ غَصباً ، فَأعَبْتُها كَيْ لا يأخذها منهم ، والشّاب المقتول ، كان يستحق الإعدام ، لأنّه كافرٌ ومرّتدٌ ، وكان الخوف على أبويه من موقع التّأثير عليهما ، ولئّلا يحملهما على الكفر . والجِدار كان ليتيمين في المدينة ، وكان تَحته كنزٌ لَهُما ، وكان أبوهما صالحاً ، فأراد ربّك أن يستخرجا كنزهما فيما بَعد ، ليعيشا بذلك المال ، ثم أكدّ عليه أن كلّ ذلك كان بأمر اللَّه تعالى ، وليس تصرّفاً من وَحي أفكاري « 1 » . رجع بعدها موسى عليه السلام ، محّملًا بمعارفٍ وعلومٍ في غاية الأهميّة . ونحن بدورنا نستلهم من تلك القصّة ، عدّة دروسٍ ، منها : 1 - العثور على معلّمٍ مطّلع حكيمٍ للتعلّم عنده ، والإستنارة من نور علمه ، أمرٌ من الأهميّة بمكان ، بحيث امِرَ رسول من رُسل أولى العزم بذلك ، وقد قطع المسافات الطويلة كي يَدرس عنده ، ويقتبس من فَيض علمه . 2 - عَدم تعجّل الأمور ، وانتظار الفرصة المُناسبة ، أو كما يُقال : « إنّ الأمور مرَهونةٌ بِأَوقاتها » .

--> ( 1 ) . مضمون الآيات : ( 6 - 80 ) ، من سورة الكهف ، ( مع التلخيص ) .